محمد جواد المسلم
في عالم الجريمة والكوارث تكون السيادة لمشاهد الموت والدماء.. بينما ثمة مشاهد مهملة لاتقل ألماً وبشاعة عنها.. همشت لأنها لم تتزين بخضاب الدم الذي يغري الإعلام والجماهير..!
ففي محضر مشاهد الذبح والحرق وقطع الرؤوس قد يعد من الترف تسليط الضوء على مشاهد المعاناة الأخرى، وإن بلغ الوجع في الأخيرة أضعاف الأولى..!
فحينما تنطلق الرصاصة لتستقر في رأس أحدهم، نحن لانرى في المشهد سوى صريعاً يهوي الى الأرض، ويسيطر على وعينا المشهد التراجيدي لنهاية إنسان، وتذهلنا بشاعة الصورة فتلهينا عن استحضار حكايات المآسي الجديدة التي بدأت بتلك النهاية..
فلطالما كانت نهاية أحدهم بداية لرحلة صراع مع الزمن في حياة آخرين..! بداية لحكايات يتم ومعاناة وعوز.. وآلام لاحصر لها..
ولطالما اعلنت مع تلك النهاية نهايات أحلام وآمال.. وكأن تلك الرصاصة لم تتوقف.. وراحت تخترق حجب الزمان والمكان لترضي نهمها بأكبر عدد من الضحايا..!
في الحروب.. لاتقتصر صناعة الدمار على آلات الحرب.. فالظرف وحده قاتل.. وله من الضحايا أضعاف ماتحصده المدافع، وهذا ماتثبته تقارير المنظمات الدولية في إحصاءاتها التي تستعرضها قنوات الأخبار بلغة أرقام جافة، وبانتقائية في أغلب الأحيان لغرض التجيير والتوظيف لصالح مموليها من حكومات وأفراد.
فلو توقفنا مثلا عند الأزمة السورية كنموذج، ونظرنا الى بعض الإحصاءات الخاصة بالأطفال (حتى أغسطس 2015)، نجد الآتي:
- الأزمة في سوريا أوجدت 800 ألف طفل يتيم.. 5% منهم فقط يحظى بكفالة مناسبة.. وقرابة نصف مليون من الأيتام يواجهون ظروفاً معيشية صعبة.
- هناك 7.3 ملايين طفل سوري بحاجة ماسة للمساعدة، 5.3 ملايين منهم بحالة وخيمة، ومن بينهم مليوني طفل يصعب الوصول لهم في مناطق الصراع المحتدم.
أما تقارير اليونيسف لشهر اكتوبر 2015 تشير الى الآتي:
- الحرب أثرت بشكل أو بآخر على حياة 5.5 مليون طفل
- طفل واحد من كل عشرة أطفال يجبر على العمل لكي يعيش
- في مخيمات اللاجئين بنت واحدة من كل خمس بنات تجبر على الزواج مبكرا
- 2.7 مليون طفل سوري منقطعون عن المدرسة
حتى بلغة الأرقام.. أصبحت المأساة عظيمة وموجعة.. رغم أن ضمائر البشر لاتشترط رقماً كبيراً لكي تشعر بألم المعاناة، لكنها لغة لابد منها إذا تحول الإنسان لمجرد رقم في هذه الحياة..
تجدر الإشارة الى أننا نقف هنا أمام أزمة واحدة فقط، وإحصاءات محدودة جداً، اذ لايمكن للمنظمات الدولية او غيرها ان تحصي الحجم الحقيقي للآلام التي تخلفها الحروب، لا لشيء الا لتعالي المآسي عن لغة الحساب والعدد، ولترفع الألم عن الخضوع للغة الأرقام..
فكيف لنا أن نحصي مثلا.. حجم الفرحة المسلوبة من النفوس.. ومقدار اللحظات السعيدة اللتي سرقت من الأعمار..؟!
كيف لنا أن نحصي كم طفلاً فارق طفولته.. وأصبح يشعر بأنه مختلف عن أقرانه، لايحق له أن يتعلم، لايحق له أن يلعب، لايحق له أن يحتفل بعيد ميلاده، لايحق له أن يتمنى هدية، وعليه أن يناضل من أجل البقاء على قيد الحياة..؟!
هل يمكننا أن نحصي حجم الذكريات المنسوفة وحجم الحرمان من فرصة الحياة بأمان وإستقرار وطمأنينة؟!
تأمل جيداً..
الى ذلك المدى وأكثر يمكن أن يذهب الإنسان لأجل ممارسة لعبة السياسة القذرة، تلك اللعبة التي لازالت ترفض حضارة البشر وتتبنى قانون الغاب.. رغم المظهر النظيف لأبطالها وهم يتجولون بين أروقة القاعات الفخمة والقصور الفارهة وفنادق الخمس نجوم.. ولو كان ثمة إنصاف.. لرأينا الأغلب منهم نازحين في الزرائب يعيشون أذلة بين بقية الحيوانات..!
mjawadm@

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق