الجمعة، 1 نوفمبر 2013

هكذا طبعهم.. يرحلون سريعا..!



هكذا طبعهم.. يرحلون سريعا..! *


هي صفعة من صفعات الدهر، لكنها هذه المرة أسقطتنا أرضا.. وها نحن في اليوم الثالث من رحيلك عزيزي (ابا محمد) ولا نزال عاجزين عن النهوض..

شيخ الرجاجيل.. بهذا اللقب حفظت رقمه في هاتفي، وبه كنت اناديه في اغلب الاحيان.. فقد كان شيخا في فن معاملة الرجال وكسب ودهم، وها نحن نراه قد جمع عددا كبيرا من الأصدقاء يصعب جمعه، ليعلمنا اننا حين نشتكي من ندرة الأصدقاء فالخلل فينا نحن الذين نعجز عن احتواء بعضنا وليس في اي شيء آخر.

ساحرة تلك الكاريزما التي يمتلكها، حيث يمكنها ان تختصر الزمن المطلوب لكسب صديق او عزيز، فالخمس دقائق كافية جدا لتكون صديقا لـ ابي شيخة.

" ألو.. بو جواد شلونك؟.. وينك انت في البيت؟.. يالله جايينك.. ركب على الشاي "
سعادة كبيرة كنت أشعر بها حينما اتلقى هذا الاتصال منه.. حتى انني طلبت منه أن لا يحرمني من سماعه في الأسبوع مرة (على الأقل)، ووعدني.. وكان كالعادة وفيا بوعده..  

كنت أختلس الجلوس معه على انفراد.. فالحديث معه كان ذو شجون، فقلبه كان المتحدث دائما وليس لسانه. عندما يحدثني عن همومه.. لا أجدها الا هموما لغيره، وقد ألزم نفسه على حملها. كنت أعشق أن أسمعه يحدثني بصفته أخي الكبير، فيقدم لي نصائحه في تدبير شؤون الحياة ضاربا لي أمثلة من تاريخ صراعه معها. رأيت في سيرته مع ذويه وأصحابه وفاءً لم أعهد مثله.. وإيثاراً يصل الى ظلم الذات في أكثر الأحيان. وعندما اوجه اليه بعض اللوم على مبالغته في إيثاره وإصراره الدائم على نكران ذاته، يجيبني بهذه العبارة التي صرت احفظ نصها لكثرة ماسمعتها منه: " شسوي يابو جواد.. أنا طبعي كذا.. اذا حبيت ناس أحبهم حيل.. أحبهم بقوة.. حاولت اغير هالطبع بس ماقدرت.. عاد صح ولا غلط مادري.. بس هذا طبعي ".

نعرف عادة الدنيا، ونعرف أن الرحيل السريع ديدن أمثالك ياعزيزي، فهي نادرا ماتجود بمثلك، وإن جادت فجودها لايدوم طويلا، فالدار التي أعدت للبلاء حتما تستكثر وجود مثلك بيننا. فوجودك ايها الغالي كان كفيلا بأن يجعل الزمن جميلا في أعيننا، لكننا وكعادتنا.. نسينا بأن الزمن الجميل يمر سريعا، ونسينا بأن كل شيء جميل في هذه الدنيا له ثمن، ولا شيء يضاهي ايامنا الحلوة معك الا مرارة فراقك وجمرة فقدك، وياله من ثمن ياعزيزي.. ويالها من جمرة عرفت طريقها الى اعماق قلوبنا.. حيث تسكن انت.

اخي الغالي ابا محمد.. 
جرح فقدك لم يكن الأول، فأنا أعرفه جيدا، كما يعرفه الكثيرون من أحبابك الذين فقدوا أخا قبلك او صديق، هو ذات الجرح الذي طالما كنت تمسح بيدك الحانية عليه عندما نشكوا اليك ألمه. لم نتصور يوما أن تجدده انت برحيلك الهادئ المفجع.. والمفارقة في رحيلكم ايها الأحباب أن نبض قلوبكم هو أول من يودعنا بسكوته..! حتى كنت ولا زلت أقول: لعل نفوسكم العظيمة هي من أتعبت قلوبكم وأرهقتها.. فتوقفت عن نبضها فجأة.. 

كلمة صغيرة الى ولد الغالي.. اليك انت حبيبي حمود..
مثل أبوك لايرحل.. فهو أوفى من أن يسلمك واخوتك للوعة الحزن وألم الفقد.. فسوف ترى طيف والدك يرعاك في كل مكان تتوجه اليه من خلال أثره الطيب وذكره الجميل.. ومن أشرف تلك الأماكن وأقدسها مآتم الحسين ع، حيث نذر نفسه خادما له، وقد لازم خدمته حتى آخر ساعة من عمره.. فأبوك ياحبيبي ركب السفينة الأوسع والأسرع.. فهنيئا له ذلك الفوز العظيم..
بني حمود.. عمل ابوك لن ينقطع ان شاء الله.. فأنت الولد الصالح الذي لن ينساه من الدعاء.. فاحرص ياحبيبي على أن تكون ولدا لائقا بوالدٍ مثله.. 


محمد جواد المسلم

* كلمة رثاء في أخي الغالي علي جواد الشيخ ( ابو شيخة ) الذي انتقل الى جوار الله في ليلة الأربعاء الموافق ٢٤ ذي الحجة ١٤٣٤هـ

الجمعة، 28 يونيو 2013

هُدهُد سُليمان والعذاب الشديد




هُدهُد سُليمان والعذاب الشديد




محمد جواد المسلم


عندما غاب الهدهد عن ناظر نبي الله سليمان ع في ظرف وجب عليه ان يتواجد فيه توعده في حال غياب العذر بالذبح او العذاب الشديد. تشير بعض التفاسير الى انه من ضمن احتمالات العقاب التي عبر عنها النبي سليمان بالعذاب الشديد هو ان يُعزل ذلك الهدهد عن أقرانه ويُجبر على العيش مع اضداده من الطيور..! حيث تغيب أجواء الألفة والوئام، وتسود أجواء العداوة والخصام.

ملفت للنظر ان يطرح نبي معصوم هذا العقاب كخيار في صف الذبح وكأنه من جنسه او لايختلف كثيرا عنه ! ففي طيات هذا التعبير تقييم دقيق لحجم المعاناة في مثل هذا الظرف، وقد قيل قديما: "أضيق السجون عشرة الأضداد"، ويقول الجواهري: "قد يقتل الحزن من أحبابه بعدوا".. فإن كان الحزن قاتلا بمجرد الغربة والبعد عن الأحباب، فماذا عسى الحزن أن يفعل بمن فارق أحبابه وعاشر أضداده..؟!  لاريب انه عذاب شديد..!

أتى ذلك الهدهد من سبإ بنبإ يقين، وقدم حجة أنقذته من العقاب، لكن تعجز الحجة ويعجز البرهان ان ينقذ بعض البشر في عصرنا هذا من مثل هذا العذاب. فكثيرون من ابتلوا به حتى ألفوه، فتحول ذلك العذاب الشديد في نظرهم الى نمط حياة يفرضه الواقع.

هذا العذاب يعيشه كل منصف اختار ان يكون صادقا مع نفسه وأن يحترم وجدانه في زمن يعج بالتطرف.. ويعرفه جيدا كل من آلى على نفسه الا أن يكون مع الحق وان كان الطريق موحشا لقلة السالكين وندرة الرفاق، ولهذا قال أمير المؤمنين علي بن ابي طالب ع: "لاتستوحشوا طريق الحق لقلة سالكيه".. ويعرف ذلك العذاب كل من ابتلي بمواطنة همج رعاع اختاروا ان يسلموا ادمغتهم الى مصانع الإعلام الغربية والصهيونية لتشكيلها كما تشاء وكما ترغب!.. او الى مستشيخ تكفيري لا يملك من العلم قدر ربع لحيته، يكفر هذا ويبيح دم ذاك، ليحشد حوله جمهورا من الوحوش التي تتحرك بلا وعي.. فتقتل وتذبح وتسحل وتنكل بوحشية لم نرى مثيلا لها سوى في أفلام "الزومبي" بسينما الرعب الأمريكية.

انها صناعة الأضداد اذاً.. أضداد من يرفض الإنصياع لخدمة المشاريع الصهيونية.. ومن يرفض الظلم ويعظم حرمة النفس ويجرم سفك الدم الحرام.. وأضداد من لايرى بطولةً في ذبح الأطفال وقتل النساء والشيوخ.. وأضداد من يشمئز من نبش القبور وأكل لحوم البشر.. 

انها صناعة تستعبد من يخضع، ومن لايخضع ترغمه على أن يعاني وحشة الغربة والإبتلاء بمواجهة ماتصنعه.. 

هي غربة أحرار في زمنٍ كثر فيه العبيد، وقد يبدو العذاب فيها شديدا بعشرة اولئك الأضداد، لكنه ليس أشد من عذاب الإنتماء اليهم. 



* نشر هذا المقال في شبكة راصد الإخبارية  بتاريخ 28 يونيو 2013