سقف الحرية المتحرك.. والدم الأمريكي الرخيص
محمد جواد المسلم
الحرية في الولايات المتحدة لاتختلف عن سائر القيم فيها، فهي ايضا تخضع لسياسة المكيالين، ولا عجب.. فتلك السياسة هي الخيار الوحيد لكل من يحيد عن منهج العدالة والانصاف، حيث يغيب المعيار وتتخبط المواقف.
سقف الحرية في امريكا يهبط حتى يلتقي مع الارض ان تعلق الامر ببعض الثوابت المدعاة من قبيل "الهولوكوست" او "معاداة السامية"، حيث تنزل الخطوط الحمراء من العلم الأمريكي لتملأ الدنيا دفاعا عن تلك الثوابت. بينما نجد سقف الحرية قد يرتفع الى عنان السماء معطيا الضوء الأخضر لثلة من المسوخ اجتمعوا لينالوا من اشرف مخلوق وطأت قدماه الثرى، ومن ارسل رحمة للعالمين كافة، رحمة شملت من صدق برسالته، ولم تستثني من كذب بها. ومن نوب الدنيا واقعا ان نقارن بين من تجسدت بشخصه أعلى وأكمل وأنبل صفات البشر(صلى الله عليه وآله وسلم)، وبين اكاذيب اختلقت لتعويض نقص في الثوابت لدى كيان طارئ لا أصل له ولا فصل.
مخطئ في حسابه من يعتقد انها إساءة موجهة للمسلمين فقط، هي في الواقع اساءة اريد بها نسف القيم النبيلة عبر النيل من سيدها ومن أرسى قواعدها، ومن ختمت بدعوته رسالة السماء، وهي قيم يقدسها كل منصف وطالب للخير على وجه الأرض. فلا يتعرض لها الا صاحب مأرب دنيء، يفتقر الى ادنى مستويات الخلق ليكشف عن وجه آخر اجتهد الاعلام الصهيوامريكي في تغطيته.
لايمكننا واقعا تحليل هذه القضية بمعزل عن السياسة الصهيوأمريكية التي تمرست في استخدام الطرق القذرة لإشعال فتن تكون عونا لها في فرض اجندتها، وان انقلب السحر على الساحر في كثير من الاحيان. فهذه الحادثة لم تكن سابقة، بل هي امتداد لسلسلة من الإساءات المؤذية والتي مورست بمنتهى الحرية وتكررت أحيانا من أشخاص بعينهم. ففي العام الماضي ظهر لنا قس اميركي، ذو شوارب معكوفة، هو أقرب الى زعيم مافيا منه الى قس (ليس بشكله فقط بل حتى بمنطقه)، وتبنى حرق المصحف الشريف، ولم يخضع حتى لمحاكمة صورية ازاء ذلك الجرم، وهاهو في هذا العام يقف كأبرز مؤيد لهذه الإساءة.
هي لعبة اجلاف تكشف مجموعة من الحقائق التي يجدر بالشعب الاميركي ان يتأملها جيدا..
في نهاية الأسبوع الماضي هاجم مجموعة من الغاضبين السفارة الامريكية في بنغازي احتجاجا على هذه الإساءة، وقتلوا السفير "ستيفنز" وثلاثة من الدبلوماسيين معه، وهو بالمناسبة سابع سفير امريكي يقتل من قبل غاضبين احتجاجا على السياسة الأمريكية. ولا زالت حتى كتابة هذا المقال عدد من السفارات الامريكية محاصرة من قبل غاضبين في عدد من الدول. حتى تحركت بعض الاساطيل الامريكية نحو بعض السواحل لحماية السفارات، وهو تصرف دعائي بحت، فحماية الرعايا في مثل هذا الظرف تحتاج الى حكمة.. لا أساطيل.
السؤال الذي يطرح نفسه امام كل امريكي: هل يبدو ان السياسة الامريكية تدعم ادعائها بالحرص على رعاياها وحمايتهم فوق اي أرض وتحت اي سماء؟
مع الاخذ بالاعتبار ان مفهوم الرعاية لايقتصر على الميانة الامريكية لدى حكومات عدد من الدول العربية، والتي تضعكم بين الجفن والعين حين تحلون فوق اراضيها، بل يتعداه الى اتباع سياسة من شأنها تجنب الشحن الشعبي ضد مواطنيها. وهو للأسف، أمر غير حاصل على الاطلاق، فسياسة امريكا الرعناء وضعت جميع رعايها امام بندقية المظلوم الغاضب في عدد من بقاع العالم المختلفة.
بل ان الدم الأمريكي كان رخيصا جدا عند الحكومة الامريكية ذاتها حين سال مخالفا للسياسة الامريكية، واقرب مثال، قضية المواطنة الامريكية اليهودية "ريتشيل كوري"، التي قضت سحقا بجرافة إسرائيلية اثناء وقوفها ضد الاستيطان الاسرائيلي في فلسطين، ولم يفلح اهلها في الحصول على قرار قضائي يجرم سائق الجرافة على مدى سبع سنوات!
وعندما يأتي الحديث عن عدد الجنود الامريكيين الذين قضوا في الحروب منذ بدايات القرن الماضي والذي يربو على 755 الف قتيل وفق الاحصاءات المعلنة (وهو في حقيقة الامر قد يزيد). بحسبة بسيطة نكتشف ان الولايات المتحدة تدفع سنويا نحو الموت من مواطنيها ما معدله 8000 مواطن، وعلى مدى 94 عاما!
فإن كانت هكذا الرعاية.. كيف يكون الفتك اذن؟
* نشر هذا المقال في شبكة راصد الإخبارية بتاريخ 15 سبتمبر 2012