الجمعة، 28 يونيو 2013

هُدهُد سُليمان والعذاب الشديد




هُدهُد سُليمان والعذاب الشديد




محمد جواد المسلم


عندما غاب الهدهد عن ناظر نبي الله سليمان ع في ظرف وجب عليه ان يتواجد فيه توعده في حال غياب العذر بالذبح او العذاب الشديد. تشير بعض التفاسير الى انه من ضمن احتمالات العقاب التي عبر عنها النبي سليمان بالعذاب الشديد هو ان يُعزل ذلك الهدهد عن أقرانه ويُجبر على العيش مع اضداده من الطيور..! حيث تغيب أجواء الألفة والوئام، وتسود أجواء العداوة والخصام.

ملفت للنظر ان يطرح نبي معصوم هذا العقاب كخيار في صف الذبح وكأنه من جنسه او لايختلف كثيرا عنه ! ففي طيات هذا التعبير تقييم دقيق لحجم المعاناة في مثل هذا الظرف، وقد قيل قديما: "أضيق السجون عشرة الأضداد"، ويقول الجواهري: "قد يقتل الحزن من أحبابه بعدوا".. فإن كان الحزن قاتلا بمجرد الغربة والبعد عن الأحباب، فماذا عسى الحزن أن يفعل بمن فارق أحبابه وعاشر أضداده..؟!  لاريب انه عذاب شديد..!

أتى ذلك الهدهد من سبإ بنبإ يقين، وقدم حجة أنقذته من العقاب، لكن تعجز الحجة ويعجز البرهان ان ينقذ بعض البشر في عصرنا هذا من مثل هذا العذاب. فكثيرون من ابتلوا به حتى ألفوه، فتحول ذلك العذاب الشديد في نظرهم الى نمط حياة يفرضه الواقع.

هذا العذاب يعيشه كل منصف اختار ان يكون صادقا مع نفسه وأن يحترم وجدانه في زمن يعج بالتطرف.. ويعرفه جيدا كل من آلى على نفسه الا أن يكون مع الحق وان كان الطريق موحشا لقلة السالكين وندرة الرفاق، ولهذا قال أمير المؤمنين علي بن ابي طالب ع: "لاتستوحشوا طريق الحق لقلة سالكيه".. ويعرف ذلك العذاب كل من ابتلي بمواطنة همج رعاع اختاروا ان يسلموا ادمغتهم الى مصانع الإعلام الغربية والصهيونية لتشكيلها كما تشاء وكما ترغب!.. او الى مستشيخ تكفيري لا يملك من العلم قدر ربع لحيته، يكفر هذا ويبيح دم ذاك، ليحشد حوله جمهورا من الوحوش التي تتحرك بلا وعي.. فتقتل وتذبح وتسحل وتنكل بوحشية لم نرى مثيلا لها سوى في أفلام "الزومبي" بسينما الرعب الأمريكية.

انها صناعة الأضداد اذاً.. أضداد من يرفض الإنصياع لخدمة المشاريع الصهيونية.. ومن يرفض الظلم ويعظم حرمة النفس ويجرم سفك الدم الحرام.. وأضداد من لايرى بطولةً في ذبح الأطفال وقتل النساء والشيوخ.. وأضداد من يشمئز من نبش القبور وأكل لحوم البشر.. 

انها صناعة تستعبد من يخضع، ومن لايخضع ترغمه على أن يعاني وحشة الغربة والإبتلاء بمواجهة ماتصنعه.. 

هي غربة أحرار في زمنٍ كثر فيه العبيد، وقد يبدو العذاب فيها شديدا بعشرة اولئك الأضداد، لكنه ليس أشد من عذاب الإنتماء اليهم. 



* نشر هذا المقال في شبكة راصد الإخبارية  بتاريخ 28 يونيو 2013

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق